سفــر التكــويــن (2)

+ خلق الكون (1:1-3:2).
*علم
هـل يعتبر هذا علماً أم خرافة أم اعلاناً ؟ اذا كان المقصود بالعلم هو تنظيم محتويـات المعـرفة ، والتعبيرعنها بجمل رسمية ، فان ما كتب عن خلق العالم لا يرينا علمـاً . وفـي هـذا بركـة عظمى ، لأنـه لـو سجل مـا كتب عن الخليقة بالاصطلاحات العلمية للقرن العشرين لظل امراً غير مفهوم للجميع حتى وقتنا هذا ، وحتى الآن ما كان في الإمكان أن يفهمه إلا الذين درسوا العلوم . أضف الـى هـذا أنـه لـو كتب بحيث يتفق مع الآراء العلمية في عصرنا ، فمن المؤكد انه سيصبح بالياً وغير صحيح بعد قرن من الزمان ان مـا ذكـره سفر التكوين عن الخليقة لم يوضع في قالب علمي وهذا احد الادلة الجوهـريـة على انـه موحى بـه مـن الله .
-----------------------------------------------------------------
وقـد يتساءل البعض ان كانت الكتابة علمية في مادتها وان لم تكن علمية في لغتها ، فأجيب : كم مـن المرات تسـرع البشـر فـي الحكـم عـلى مـا كـتـب فـي الكـتـاب بأنه خطـأ من الناحـيـة العـلمـيـة ، وكم من صراع نشأ بين النتائج العلمية غير الكاملة وبـيـن المعـاني العلمية التي تصوروا أن الكتاب يتضمنها ، لكن البحث أثبت غالباً خطأ النتائج العلمية او عدم فهم الاصطلاحات العلمية المذكورة في الكتاب على حقيقتها .

*أم خرافة

وقـبل ان نبحـث مـا يتصـوره البعـض مـن ان مـا ذكـر فـي سفـر التكوين هو خرافة ، ينبغي ان نستوضح المعنى الذي تحمله كلمة خرافة . الخرافة في أبسـط معـانـيـهـا هـي القصة الخيالية التي لا صحة فـيها البتة . ومـا سجل في الكتاب يتنافى مـع هذه الخرافة لأنه يصور لنا الأشياء التي ما كان في الامكان فهمها لو انها ذكرت باسلوب علمي دقيق .

ان الحكمة الالهية قـد ظهـرت بصورة جلية فـي طريقة الوحي بكتابة تلك الأمـور بهـذه الطريقة التصويرية ، لأن الكتابة بهذه الصورة الوحيدة هي التي تـفي بحـاجة كـل العصور ، وقد ذكرت الحقائق بلغة تزخر بالمعاني وتستطيع ان تتضمن النتائج الثابتة للبحث العلمي .

*أم إعلان

ان الاصحاح الاول من سفـر التكـويـن يجـب ان يعـتـبـر اعلاناً الهياً . أما ان هـذا الاعـلان كـان قـد أُعطي قـبل أيام موسى بوقت طويل فذلك واضح من الروايـات العـديـدة التي كـانـت شائعـة بين عـبدة الاوثان في القديم . فـما كـتبه موسى ليس تصحـيحاً ، لمعـتـقـدات الفينيقيين او البابليين او غـيرهم مـن عـبدة الاصنام . فلابد ان الله في وقت ما قد ذكر بنفسه قصة خلقه للعالم . وقـد حفظ هـذا الاعلان بكيفـية الهية حـتى لا تنجسه معتـقـدات اولئك الذين يؤمنون بتعدد الآلهة ، وغـيرهم مـن اصحاب الأوهام والخرافات ، وقـد قصد الله بوحي منه ان تسجل هذه القصة في كتاب موسى ذي الاسفار الخمسة .

*دلائل علمية

ان العـلم لا يعـرف شيئاً فـي الواقـع عـن مصـدر الأشـياء . ومـن الأهمية بمكان ان افكـار علـماء طبقـات الارض عن تسلسل البقايا المتحجرة يميل الـى الاتفاق كثيراً مـع مـراحـل عمل الله المذكورة فـي الاصحـاح الاول مـن سفـر التكوين .

لقـد قـدم بعضهم نظرية تقول بان كارثة عظمى قد حدثـت يومـاً ما للخليقة الأصلية التي عـملها الله ، وهـم يعـتقدون ان الكـتاب يشـيـر إلى ذلـك . فالعـدد الأول - حستب قـولهم - يتحدث عـن عـمل الله الأول في خلق الكون ، والعـدد الثـانـي يصـف حـالـة الخـراب الـتي حـلـت بهـذا الكـون ، اذ يـقـول " خـربـة وخـاليـة " ولـو انــه لا تـوجـد اشـارة صـريحـة لحـدوث الـكـارثـة العـظـمـى وأسبابها ، والأجزاء اللاحقة من الاصحاح تتحدث عما عمله الله لاعادة الكون الذي كان قد تحطم .

ان هـذا التفسير الـذي نـادى بـه البعض منذ القديم ، والذي مازال كثيرون يؤمـنـون بـه ، هـومحـاولة مخلصة للتغلب على صعوبة ما ، لكن المؤسف ان هذا الحل يخلق مشـاكـل أخـرى . وعلاوة على هذا فان هناك جدالاً عنيفاً ضـد هـذه الفكـرة مصـدره تفسير المعنى اللغوي لاحدى الكلمات . ان هـذه النظرية التي تُسمى أحياناً " الـثـغـرة " تستند على أساس ضعيف بالنسبة لـلكتاب ، ولا يوجد دليل جيولوجي قاطع يقتضيها .

*الله الخالق

لقـد استعـمـلت كـلمتان فـي اللغة العبرية للاشارة الى عـمل الله فـي خلـق العـالــم : " بـارا " وهـي تـتـرجـم عـادة " خـلـق " و كـلـمــة " اســا " وهـي تعني " صنع " ، والكلمة الاولى " بارا " هي الكلمة المهمة في قصة الخلق ، وتزداد أهميتها بالنسبة لاستعمالها بصفة نادرة في هذا الجزء ، وقد ذكرت في الاعداد 1 و 21 و 27 أي في بـداية وجـود الكون وبـداية وجود الحياة وبـداية الوجود الروحي لهذا العالم .

ومن الواضح انه لا توجد لغة يمكنها ان تصف تماماً عمل الله الخالـق لان هـذا يسمـو فـوق ادراك البشـر . ثـم انـه مـن الصعـب تحـديـد المعـنـى الدقيق لـكـلـمـة " بـارا " المـسـتـعـمـلـة هـنـا ، فـالكـلـمـة فـي معـنـاهــا الأصـلي قـد تعـني " نزع " لكـنها استعملت هنا بصفة خاصة للتعبير عـن العمل الالهي في الخلق ، الذي هو ايجاد أشياء جديدة كلية .

ان فكرة الخلق الموجـودة فـي العدد الأول تنفي فكرة وجـود أيـة مادة قبل ذلك ، وهـذا هـو المعـنى الـذي تبينه هـذه الكـلمة الـتي تشير إلـى خـلـق العالم مـن العـدم ، لكـن فـي عددي 21 و 27 نجـد ان فكـرة الخلق لا تنفي استعـمال مواد كـانـت مـوجـودة مـن قـبـل . اذاً فـالفـكـرة المهمة التي يجب ان نـذكـرها فـيما يتعـلق بكلمة " بارا " هـي انهـا لا تحـتـم استـبـعـاد وجـود مـادة بـل هـي تشير إلـى تكـوين شيء جديد كلية دون ان يكون لهذا العمل أي اتصال بوسائط سابقة مسببة له .

*اليوم الإلهي

لكن مـا هـو اليوم الذي كـان يحد فترة العـمل الالهي في الخليقة ؟ يعـتـقـد البعض انـه يـوم عـادي من اربع وعشرين ساعة . والدليل على هـذا هـو ذكـر المسـاء والصباح بصورة خاصة ، لكن هناك صعوبات كثيرة تحول دون قبول هذا التفسير .

يتصور البعض الآخـر ان هـذه الايـام هـي تلـك الـتي اعلـنـت فيها الرؤيا لموسى ، باعـتبار ان تلـك الحقائق قـد أعلنت لـه عن طريق سلسلة من الرؤى خلال ستة أيام . وهذه فكرة جميلة جداً ، لكنها لا تعدو ان تكون تخميناً .

وهـناك فكـرة ثـالثـة تقول ان كل يوم يشير الـى عصر جيولوجي ، وليس الـى اربـع وعـشـريـن سـاعـة ، وهـذه الفـكـرة يـؤمـن بها الكـثيرون في أيامنا هذه ، ذلك لأنه من الواضح ان الشمس التي تحدد الزمان بالنسبة للأرض التي تـدور حـولهـا ، لـم تكن قد وجدت في الأيام الثلاثة الاولى ، وعلاوة على هذا فـإن كـلمة " يوم " قد استعملت في اصحاح 2 : 4 لـلاشارة الـى مـدة الخلـيقة كـلها ، وفـي اجـزاء اخـرى مـن الكـتاب استعـمـلـت كـلمة " يـوم " استعـمالاً مجازياً ، للاشارة الى مدة من الزمن غير محدودة كما في مزمور 90 : 4.

عـلى ان المشـكـلـة الجـوهـريـة المتـعـلـقـة بهـذا التفـسـيـر الاخـيــر هـي ذكـر " مسـاء " و " صباح " ، لكن هذا التعبير قد يكون مجرد طريقة مجازية للاشارة الى ان الخليقة تميزت بفترات محدودة من الزمن .

* تاج الخليقة

لقـد سجـلت قصة الخليقة لغـرض روحي ، فـلو لم تذكر القصة التي تبين مصـدر الأشـياء لمـا استطعـنا ان نحـدد الصلـة بـيـن الله وبـيـن الانسان . فهذا الاعـلان مُقـدم لكي يؤمن بـه العابدون الحقيقيون " بـالايمان نفهم ان العـالـمين اتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يرى مما هو ظاهر ، (عب 11 : 3) .

ان الانسـان الـذي اختـبـر الله شخصياً عـن طريـق قـبـول المسيح ، حـيـن يقرأ هذا الاصحاح يؤمن في الحال بكل ما كتب فيه ، لكن الامور الـتي يصفها هـذا الاصحاح تعـد عجـيـبـة جـداً ، وبالتالي تفوق وسائل البحث العلمية ، مما يجعل البعض يرون فيها صعوبة عظمى .

والسبب الثاني لذكـر هـذه القصة هو بيان مكان الانسان بـاعتباره فـي قمة الخليقة الارضية . فعمل الله كـان يتقدم خطوة بعـد الاخـرى حـتى وصـل الـى الانسان ، تاج الخليقة .

* كلمات وتفاسير

"الله " (1) وفي العبرية "الوهيم " وهذة الكلمة قد تعني "ذاك الذي ينبغي أن يحترم أجل أحترام ". وهذة الكلمة هي في صيغة الجمع، وهذا الجمع يقصد به الأجلال والتعظيم. " خربة وخالية " (2) وهي في العبرية "توهو وبوهو " ولعل رنة هذة العبارة في الأذن توحي بالمعنى الذي تحمله، وهذة الآية لا تتناقض مع ما ذكر في ( إش18:45 ) حيث تظهر كلمة " بوهو " مرة أخرى، وهذا الجزء من
إشعياء يبين ان الله لم يترك الأرض خالية وغير كاملة، فهو لم يخلقها عبثآ لتظل خربة وخالية، لكنه أوجدها حتى تسكن، اذآ فتلك الحالة لم تكن غاية لكنها كانت وسيلة. "قال الله " (3) بكلمة الرب صنعت السموات ( مز6:33 ؛ اقرأ يو1 :1-3) ." نور" (3) من الفروض التي يفترضها العلم الحديث ان وجود الله ان وجود النور يسبق ظهور الشمس. "كان مساء وكان صباح " (5) هذه الجملة هي باسلوب شعري، لكنها لا تعني ان الصباح هو الجزء الثاني من اليوم. لقد ابتدأ اليوم في الصباح، ثم بعد ذلك أتي المساء، أما الصباح الذي يعقب المساء فإنه بداية اليوم التالي، وعلى ذلك فهو نهاية اليوم الأول. " جلد " (6) هو شئ منسبط ممتد وهو يرينا خلق الجو. " يبرز " (11) هنا نرى الخليقة المتوسطة، ولنذكر أنها وجدت بكلمة الله . " كجنسه " (11) انظر أيضآ الأعداد 12و21 و24 و25. و يمكن ان تترجم هذه الكلمه الى "حسب كل انواعها" و يبدو ان السجل الألهى يشير الى التنوع فى داخل المجموعات المختلفه بالقول انواعها. "الأيات" (14) انها ليست آيات علم الفلك,فالاجرام السماويه تحدد الفصول و تبين اقسام الزمن.


"نعمل الانسان" (26) ان خلق الانسان هو قمة العمل الألهى, والتصبر هنا هو عمل الثالوث الأقدس, و ليس المقصود به مناقشه للرب مع الملائكه. " على صورتنا كشبهنا "(26) انه لا يوجد فرق بين كلمة "صوره" وكلمة " شبه " فليست إحداهما اصلية و الاخرى مكتسبه,بل ان التعبير يشابه الطريقه العبريه فى نظم الشعر, والتشابه المقصود هو فى الطبيعه والصفات, والشخصيه والاخلاق " فيتسلطون" (26) إن سيطرة الانسان على الخلائق مصدرها تشابهه مع الله. " ذكرا و انثى خلقهم" (27)إن الوصف المفصل لهذا نجده فى الاصحاح التالى."املأوا"(28) و هى بالعبريه"ميل" التى تعنى "الملء" كما فى عدد 22 وهى لا تحمل فكرة إعادة ملء العالم الذى كان قد تفرغ فى وقت ما. " بارك الله اليوم السابع وقدسه" (3:2 )فى هذا الجزء نرى ان السبت يظهر قبل وصايا موسى,ولابد ان هذا التقديس كان نتيجة إعلان إلهى قديم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

أحدث الموضوعات

From Coptic Books

إجمالي مرات مشاهدة الصفحة من 10/2010